الشيخ عبد الغني النابلسي

153

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فلم يظهر ، أي النبي عليه السلام مما أقدر ، أي أقدره اللّه تعالى عليه من ذلك الملك وظهر بذلك الملك سليمان عليه السلام ثم قوله ، أي سليمان عليه السلام رب هَبْ لِي مُلْكاً فلم يعم في جميع العوالم وإن قال : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فليس فيه إفادة العموم فعلمنا أنه ، أي سليمان عليه السلام يريد ملكا ما يعني ، أي ملك كان لكنه لا ينبغي لأحد من الناس ، فهو نظير السؤال في القدر من العزير عليه السلام ، وسؤال إبراهيم عليه السلام في طمأنينة قلبه باليقين ، فكأنه طلب أن اللّه تعالى يملكه في الخلق ملكا بطريق الظهور الإلهي في حقيقته السليمانية بتجلي القيومية من حضرة اسمه تعالى المالك ، ولو على شيء واحد ليعرف ويتحقق بصفة الملك الإلهي لكل شيء ذوقا ، زيادة على مجرد النسبة الاستخلافية الحاصلة لبني آدم بمقتضى الأحكام الشرعية من قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] . ورأيناه ، أي سليمان عليه السلام قد شورك ، أي شاركه غيره في كل جزء ، أي فرد من أجزاء الملك الذي أعطاه اللّه تعالى ، أي لسليمان عليه السلام كما وقع لنبينا صلى اللّه عليه وسلم في قصة العفريت ، وفي واقعة جن نصيبين التي أشار إليها الحق تعالى بقوله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] ، إلى آخره « 1 » ،

--> ( 1 ) عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود : حدثت أنك كنت مع رسول اللّه ليلة وفد الجن قال : أجل قال : فكيف كان ، فذكر الحديث كله . وذكر أن النبي خط عليه خطا وقال : لا تبرح منها فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول اللّه فذعر ثلاث مرات حتى إذا كان قريبا من الصبح أتاني رسول اللّه فقال : أنمت قلت : لا واللّه ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول : اجلسوا قال : لو خرجت لم آمن يختطفك بعضهم ، ثم قال : هل رأيت شيئا قال : نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض قال : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والمتاع الزاد ، فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة ، فقلت : يا رسول اللّه وما يغني ذلك عنهم قال : إنهم لن يجدوا عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة » . ( انظر تفسير الطبري ، قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] [ 26 / 31 ] ) وروى الحاكم في المستدرك عن أبي الأسود الديلي قال : قلت لمعاذ بن جبل رضي اللّه عنه : حدثني عن قصة الشيطان حين أخذته فقال : جعلني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على صدقة المسلمين فجعلت الثمر في غرفة فوجدت فيه نقصانا فأخبرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : هذا الشيطان يأخذه قال : فدخلت الغرفة فأغلقت الباب علي فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور في صورة فيل ثم تصور في صورة أخرى فدخل من شق الباب فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر قال : فوثبت إليه فضبطته فالتقت يداي عليه فقلت : يا عدو اللّه فقال : خل عني فإني كبير ذو عيال كثير وأنا فقير وأنا من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم فلما بعث أخرجنا عنها فخل عني فلن